مجمع البحوث الاسلامية

801

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

به المؤمنون من القربة والزّلفة ، حجبوا في الانتهاء عمّا خصّ به السّعداء من المغفرة والرّحمة ، حجاب سبق به الحكم قبل الطّاعة والجزم . وهذا يوافق مذهب الجبريّة ، وعليه فيرجع ( حجاب ) عن الحقيقة إلى المجاز . 2 - ( الحجاب ) في حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ بمعنى الفاصل ، أي توارت الشّمس بالحجاب ، وهو استتارها خلف الأفق ، أو حتّى توارت الخيل لفاصل أو بعد حصل بينها وبين سليمان . فالفاصل هنا حقيقيّ ، وإنّما الاختلاف في مرجع الضّمير في ( توارت ) أهي الشّمس المذكورة في التّفاسير أنّ سليمان اشتغل بالخيل حتّى غربت الشّمس وفاتته الصّلاة ، أو « الخيل » المذكورة قبله إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ ص : 31 ، وهذا أوفق لما بعده رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ ص : 33 ، فكأنّ الخيل أبعدت وحجبت عنه ، فقال : رُدُّوها عَلَيَّ واشتغل بها مسحا بالسّوق والأعناق ، ولولا الرّوايات لكان هذا الوجه متعيّنا حسب السّياق . 3 - فالحجاب في ( 3 ) السّور ، وفي ( 4 ) الأفق أو البعد الفاصل بين الخيل وسليمان . ثالثا : وَراءِ حِجابٍ في ( 5 ) من أقسام الرّابطة بين اللّه والأنبياء عليهم السّلام ؛ حيث قال : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ أي إنّ تكليم اللّه بشرا منحصر بهذه الثّلاثة : الوحي - وهو الإلهام في قلب الرّسول - أو يكلّمه اللّه من وراء حجاب ، فيسمع كلامه من دون أن يراه ، كما كلّم موسى تكليما ، أو يرسل رسولا - وهو ملك الوحي - فيوحي هو إلى الرّسول ، فهذا وحي مع الواسطة ، والوجهان قبله وحي بلا واسطة : أوّلهما إلهام قلبا ، وثانيهما كلام سمعا . وهذه الأقسام موزّعة بين الأنبياء ، ومجموعة لنبيّنا صلوات اللّه عليهم أجمعين حسب الآيات والأحاديث القدسيّة . و ( حجاب ) هنا ، هو الفاصل الّذي حجب اللّه عن العباد ، مردّد بين الحقيقة والمجاز ، أي الجسم وغيره ، وعند العرفاء أنّ الحجاب بينهما هو العبد نفسه ، قال شاعرنا الحافظ الشّيرازيّ : تو خود حجاب خودى * حافظ از ميان برخيز يخاطب نفسه قائلا : أنت نفسك حجابك عن اللّه فقم من البين . وفي الآية بحوث لاحظ « وح ي » . رابعا : في ( 6 و 7 ) أطلق ( حجاب ) مجازا على الحاجب المعنويّ الّذي حجب الكفّار عن الإيمان ، وهو ما كان في قلوبهم من العداوة والبغضاء والعصبيّة ، وفي أعمالهم من تقليد الآباء ونحوها ، ويشهد به سياقهما ، وفيهما بحوث : 1 - الآيتان مكّيّتان سياقهما الجدال بين المشركين وبين النّبيّ صلوات اللّه عليه وآله بشأن القرآن ، فجاء في ( 6 ) حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ فصّلت : 1 - 5 وفي ( 7 ) وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً * وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً الإسراء : 45 ، 46 .